محمد بن أحمد الفرغاني
55
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
الصفات عائدة إليه ولا تفاوت في وصف نفس تعيّنه ، فمن أين تجيء المنافاة المنبئة عنها الضدّية ، ولو كان الضدّ واقعا لكان التفاوت ثابتا من مبدأ الحكم الإيجادي إلى الآن إثباتا للقدرة وحكم الضدّية ونفيا للعجز عن المعارضة بالحكم ، والحكمة في هذه المدة المديدة واللازم منتف عقلا وحسّا ، فلزم انتفاء الملزوم ، وهو الضدّ ضرورة . ومنّي بدا لي ما عليّ لبسته ، وعني البوادي بي إليّ أعيدت يقال : لبست عليه الأمر ، أي : سترته وأخفيته عنه بحيث لا يهتدي إلى فهمه ، ومنه قوله تعالى : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ [ الأنعام : الآية 9 ] ، والبوادي : ما يبدو ، ولي يتعلق ببدا حرف تعديته ، وعلى لتعدية لبسته بفتح الباء ، وعن يتعلق بفعل محذوف ، أي : صدرت عني ، وإلى يتعلق بأعيدت ، والباء في بي للآلة متعلقة بأعيدت . يقول بلسان مقام أحدية الجمع : إن المعلومات والحقائق الممكنة التي هي صور شؤون ذاتي المستورة ذواتها عن أنفسها في عالم المعاني وحضرة ظاهر العلم المتعلّق بالمعلومات إنما هي بعض شؤون ذاتي ونسب واحديتها التي سترتها عنها بأحكام غيبيّة ساترة مستورة من حيث إن عين تلك الشؤون والنسب المستورة عن أنفسها في المرتبة الثانية هي عين ذاتي الظاهر لنفسها في المرتبة الأولى ، والعلم الذي بدت لي به تلك الحقائق المستورة عن أنفسها هو مني ظهر أيضا ، فكانت تلك الحقائق مخفيّة عني من وجه ، وظاهرة لي من وجه آخر ؛ فمن جهة علمي بها ظاهرة ، ومن جهة خفائها عن أنفسها وعن بعض شؤون ونسب واحديتي مخفيّة عني ، وهو معنى قوله : ومني بدا لي ، يعني العلم ، وما عليّ لبسته ، يعني : الحقائق المخفيّة عن أنفسها التي هي عين شؤوني ذاتي ونسبي . وقوله : وعني البوادي بي إليّ أعيدت ، يعني : وصف الوحدة المنسوبة إليها الفاعلية ووصف الكثرة المضافة إليهما القابلية اللذين ظهرا أولا عن التجلّي والتعيّن الأول في التعيّن الثاني ومرتبة جمع الجمع ، فهذان الباديان أولا ، ثم الروح والنفس الباديان أولا من هذين الوصفين في مرتبة الأرواح ، فهذه أربع بواد ، ثم العرش والكرسي وهما الباديان أولا في مرتبة الجسم ، فهذه ستّ بواد صادرة عني ومعادة إليّ بي ، وكل اسم من أسمائي الكلّية هو باد أولا عني ظاهر تماما بمظهر إنساني